الذهبي
209
سير أعلام النبلاء
وفي سنة خمس وثمانين : نفذ طغرل تحفا وهدايا ، واعتذر واستغفر . وظهر ابن يونس ، فولي نظر المخزن ، ثم عزل بعد أشهر . وفيها وفي المقبلة : كان الحصار الذي لم يسمع بمثله أبدا على عكا ، كان السلطان قد افتتحها وأسكنها المسلمين ، فأقبلت الفرنج برا وبحرا من كل فج عميق ، فأحاطوا بها ، وسار صلاح الدين فيدفعهم فما تزعزعوا ولا فكروا بل أنشأوا سورا وخندقا على معسكرهم ، وجرت غير وقعة ، وقتل خلق كثير يحتاج بسط ذلك إلى جزء ، وامتدت المنازلة والمطاولة والمقاتلة نيفا وعشرين شهرا ، وكانت الامداد تأتي العدو من أقصى البحار ، واستنجد صلاح الدين بالخليفة وغيره حتى أنه نفذ رسولا إلى صاحب المغرب يعقوب المؤمني يستجيشه فما نفع ، وكل بلاء النصارى ذهاب بيت المقدس منهم . قال ابن الأثير ( 1 ) : لبس القسوس السواد حزنا على القدس ، وأخذهم بترك ( 2 ) القدس وركب بهم البحر يستنفرون الفرنج ، وصوروا المسيح وقد ضربه النبي صلى الله عليه وسلم وجرحه ، فعظم هذا المنظر على النصارى ، وحشدوا وجمعوا من الرجال والأموال ما لا يحصى ، فحدثني كردي كان يغير مع الفرنج بحصن الأكراد أنهم أخذوه معهم في البحر ، قال : فانتهى بنا الطواف إلى رومية فخرجنا منها وقد ملانا الشواني الأربعة فضة ( 3 ) . قال ابن الأثير ( 4 ) : فخرجوا على الصعب والذلول برا وبحرا ، ولولا
--> ( 1 ) الكامل : 12 / 32 . ( 2 ) وتكتب " البطرك " أيضا ، وهو البطريرك . ( 3 ) في الكامل : " نقرة " . ( 4 ) الكامل : 12 / 33 .